تقول الأسطورة المصرية القديمة: عندما اخترع "تحوتي" الكتابة اقترح على "آمون" أن يستخدمها المصريون لتزيدهم حكمة وقوة في الذاكرة، لكن آمون حذره: إن اختراعك سيجعل المتعلمين يهملون ذاكرتهم، ولن يقدم لهم الحقيقة بل شبيها لها، سوف يظهرون وكأنهم أصحاب علم، لكنهم في الحقيقة لا يعرفون شيئا، وسوف يصبحون أكثر صخبا وأعلى صوتا وسوف تكون صحبتهم مزعجة كانت نبوءة آمون ومخاوفه صغيرة على مقاس رموز الكتابة، لكن مع انتشار الإنترنت تضاعفت هذه المخاوف وظهرت مخاوف جديدة بحجم الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي والملايين الذين يستخدمونها!
بدأت الإنترنت في وزارة الدفاع الأمريكية أثناء الحرب الباردة ثم خرجت من الترسانة العسكرية إلى ملايين البشر فغيرت قواعد اللعبة في عالم الاقتصاد والسياسة والأمن والسلطة على المعلومات والثقافة والمعرفة، وظهرت مواقع التواصل الاجتماعي وفعلت ما فعلت بنفوس البشر وآداب الحوار بينهم، وحولت العلاقات والمشاعر الإنسانية إلى مجموعة من الأزرار والرموز يقول فريق أن الإنترنت جاءت لتمكين الجماهير وإزاحة النخبة، وهناك من يقول أن هذا سوف يضر بجودة الثقافة والمعرفة، وسوف يساعد أيضا في إشعال الفتنة بين الأجيال وتفتيت المجتمعات، أو ما يعرف بحروب الجيل الرابع.
وأدركت الدول الكبرى القدرات العسكرية للإنترنت فراحت تتجسس على مستخدميها وأيضا تستخدمها في تضليل الرأي العام بالصور والشائعات وأنصاف الحقائق.
معادلة الإنترنت باختصار أنها يسرت لنا أن نعرف الكثير ونشاهد الكثير ونقول الكثير ونتواصل كثيرا ونسأل كثيرا، فنجاب والثمن هو أننا أصبحنا أقل صبرا وأقل تركيزا وأكثر تطرفا وأقل ذوقا. فالتكنولوجيا عموما تعطي البشرية الكثير بيد وتأخذ منها الكثير باليد الأخرى. وقد قال الكاتب اليوناني القديم سوفو خليس "لا يدخل حياة الإنسان شئ كبير إلا ومعه لعنة كبيرة!" هذا الكتاب عن الإنترنت - هذا "الشئ الكبير"، وعن "اللعنة الكبيرة" التي جاءت معها!